أبي حيان التوحيدي

170

المقابسات

وجل نظر النحوي في الألفاظ ، وإن كان لا يسوغ له الاخلال بالمعاني التي هي لها كالحقائق والجواهر ؛ ألا ترى أن المنطقي يقول بخبر وهو ينفعل ، والنحوي فيما خلاه اللفظ ؟ ونظائر هذا المثال شوائع ذوائع في عرض الفنين والنظرين ، أعنى المنطق والنحو ، وكما أن التقصير في تحبير اللفظ ضار ونقص وانحطاط ، فكذلك التقصير في تحرير المعنى ضار ونقص وانحطاط ، وحد الافهام والتفهم معروف ، وحد البلاغة والخطابة موصوف ، والحاجة إلى الافهام والتفهم على عادة أهل اللغة ، أشد من الحاجة إلى الخطابة والبلاغة ، لأنها متقدمة بالطبع ، والطبع أقرب إلينا ، والعقل أبعد عنا ، والبديهة منوطة بالحس ، وإن كانت معانة من وجهة الحس ، وليس ينبغي أن يكتفى بالافهام كيف كان ، وعلى أي وجه وقع ، فان الدينار قد يكون ردئ ذهب ، وقد يكون ردئ طبع ، وقد يكون فاسد السكة ، وقد يكون جيد الذهب عجيب الطبع حسن السكة ، فالناقد الذي عليه المدار ، وإليه العيار ، يبهرجه مرة برداءة هذا ، ومرة برداءة هذا ، ويقبله مرة بحسن هذا ، ومرة بحسن هذا ، والافهام إفهامان : ردئ وجيد ، فالأول لسفلة الناس ، لأن ذلك غايتهم وشبيه برتبتهم في نقصهم ، والثاني لسائر الناس ، لأن ذلك جامع للمصالح والمنافع ، فأما البلاغة فإنها زائدة على الافهام الجيدة بالوزن والبناء ، والسجع والتقفية ، والحلية الرائعة ، وتخير اللفظ ، واختصار الزينة ، بالرقة والجزالة والمتانة ، وهذا الفن لخاصة النفس ، لأن القصد فيه الاطراب بعد الافهام والتواصل إلى غاية ما في القلوب لذوي الفضل بتقويم البيان قلت له : فما النحو ؟ فقال : على ما يحضرني الساعة من رسمه على غير تصفية حده وتنقيحه : إنه نظر في كلام العرب يعود بتحصيل ما تألفه وتعتاده ، أو تفرقه وتعلل منه ، أو تفرقه وتخليه ، أو تأباه وتذهب عنه ، وتستغنى بغيره